السيد عبد الأعلى السبزواري

11

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

ويستفاد من مجموع هذه الآية أنّ القدرة الحاصلة في التكاليف الشرعية على قسمين : الأول : القدرة العرفية التي هي المناط في جميع التكاليف الإلهية المستفادة من قوله تعالى : ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج - 78 ] وقوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة - 185 ] ، وقول نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « بعثت بالشريعة السهلة السمحاء » ، وقوله ( صلّى اللّه عليه وآله ) « الدين يسر » . الثاني : القدرة العقلية التي تجتمع مع الحرج والمشقة بل حتى مع العذر أيضا ، وهي ليست مناط التكاليف الإلهية الثابتة لعامة الناس . وبناء على ذلك إنّ الصوم كتب على من يقدر عليه بالقدرة الشرعية مع عدم عسر وحرج ، وأما من تمكن منه بالقدرة العقلية أي : مع المشقة والجهد ، فيتبدل تكليفه إلى الفدية . وقرئ ( يطوقونه ) أي يتجشمونه ويتكلفونه ، ورويت هذه القراءة عن جملة من الصحابة والتابعين . قوله تعالى : طَعامُ مِسْكِينٍ . بيان للفدية في اليوم ، وقدّر في الروايات - كمية - بمد ، وهو سبعمائة وخمسون غراما ، و - كيفية - بكل ما يأكله الإنسان لإشباعه من الجوع . والمسكين هنا مطلق الفقير ، لما تعارف بين العلماء من أنّ الفقير والمسكين كالظرف والجار والمجرور إذا اجتمعا افترقا ، وإذا افترقا اجتمعا ، ولم يجتمعا في القرآن الكريم إلا في مورد واحد وهو قوله تعالى : إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها [ التوبة - 60 ] . قوله تعالى : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ . الظاهر أنّه راجع إلى كيفية الطعام وكميته زائدا على أصل الإطعام . وأما رجوعه إلى أصل الصوم وإثبات استحبابه بعد سقوط تشريعه بالنسبة إلى المسافر